الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
140
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معنييه . ولما كشف حال الأصنام في الدنيا بما فيه تأييس من انتفاعهم بها فيها كمّل كشف أمرها في الآخرة بأن تلك الأصنام ينطقها اللّه فتتبرأ من شركهم ، أي تتبرأ من أن تكون دعت له أو رضيت به . والكفر : جحد في كراهة . والشرك أضيف إلى فاعله ، أي بشرككم إياهم في الإلهية مع اللّه تعالى . وأجري على الأصنام موصول العاقل وضمائر العقلاء وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [ فاطر : 13 ] إلى قوله : يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ على تنزيل الأصنام منزلة العقلاء مجاراة للمردود عليهم على طريقة التهكم . وقوله : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ تذييل لتحقيق هذه الأخبار بأن المخبر بها هو الخبير بها وبغيرها ولا يخبرك أحد مثل ما يخبرك هو . وعبّر بفعل الإنباء لأن النبأ هو الخبر عن حدث خطير مهمّ . والخطاب في قوله : يُنَبِّئُكَ لكل من يصح منه سماع هذا الكلام لأن هذه الجملة أرسلت مرسل الأمثال فلا ينبغي تخصيص مضمونها بمخاطب معين . و خَبِيرٍ صفة مشبهة مشتقة من خبر ، بضم الباء ، فلان الأمر ، إذا علمه علما لا شك فيه . والمراد ب خَبِيرٍ جنس الخبير ، فلما أرسل هذا القول مثلا وكان شأن الأمثال أن تكون موجزة صيغ على أسلوب الإيجاز فحذف منه متعلّق فعل ( ينبّئ ) ومتعلّق وصف خَبِيرٍ ، ولم يذكر وجه المماثلة لعلمه من المقام . وجعل خَبِيرٍ نكرة مع أن المراد به خبير معيّن وهو المتكلم فكان حقه التعريف ، فعدل إلى تنكيره لقصد التعميم في سياق النفي لأن إضافة كلمة مِثْلُ إلى خبير لا تفيده تعريفا . وجعل نفي فعل الإنباء كناية عن نفي المنبئ . ولعل التركيب : ولا يوجد أحد ينبئك بهذا الخبر يماثل هذا الخبير الذي أنبأك به ، فإذا أردف مخبر خبره بهذا المثل كان ذلك كناية عن كون المخبر بالخبر المخصوص يريد ب خَبِيرٍ نفسه للتلازم بين معنى هذا المثل وبين تمثل المتكلم منه . فالمعنى : ولا ينبئك بهذا الخبر مثلي لأني خبرته ، فهذا تأويل هذا التركيب وقد أغفل المفسّرون بيان هذا التركيب .